جَوَازُ قِرَاءَةِ القـُرْءانِ عَلَى المَيتِ

بسم الله الرحمن الرحيم


جَوَازُ قِرَاءَةِ القـُرْءانِ عَلَى المَيتِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الأمين وبعد ،

فإن قراءة القرءان على الميت المسلم ليس بدعة محرّمة كما يزعم بعض الجهّال فليس هناك دليلٌ يحرّم قراءة القرءان على الميت المسلم لا من القرءان ولا من السنَّة ، ولا أحدٌ من أئمة المذاهب صرّح بتحريم قراءة القرءان على الميت المسلم ، فكيف يتجرّأ بعض الناس على تحريم هذا الأمر ولم يقل به أحد من قبلهم . وسنذكر الآن الدليل على جواز قراءة القرءان على الميت من حديث رسول الله ومن كلام الصحابة ومن كلام العلماء من المذاهب الأربعة.

 1- الدليل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

 والدليل على أن الميت المسلم ينتفع بقراءة غيره من المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم قال: (( إِقْرَءُوا يَس عَلَى مَوْتَاكُم ))، رواه أبو داود، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وابن ماجه، وأحمد، والحاكم، وابن حبان.

 وكذلك مّما استدلّ به العلماء على جواز قراءة القرءان عند قبر الميت المسلم وانتفاع هذا الميت بالقراءة الحديث الذي رواه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ وأبو دَاودَ والنَّسَائِيُّ عن ابن عَبَّاسٍ قال : "مَرَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلَّم على قَبرينِ فَقَال: (( إِنَّـهُمَا لَيُعَذّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرِ إِثْمٍ )) ; قَالَ : (( بَلَى ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ )) ،ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِداً وَعَلَى هَذَا وَاحِداً ، ثُمَّ قَال : (( لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا ))" .

 ويستفاد من هذا الحديث جواز غرس الأشجار وقراءة القرءان على قبور المسلمين ، وإذا خُفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرءان ، وإذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما فانتفاع الميت بقراءة القرءان عند قبره أولى .

 قال النووي ما نصه : "واستَحَبَّ العُلَمَاءُ قِرَاءَةَ القُرْءَانِ عِنْدَ القَبرِ لِهَذَا الحَدِيثِ ، لأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرْجَى التَّخْفِيفُ بِتَسْبِيحِ الجَرِيدِ فَتِلاَوَةُ القُرْءَانِ أَوْلى" [شرح صحيح مسلم ص (3 / 202) ]. فإن قراءة القرءان من المسلم أعظم وأنفع من التسبيح من عود . وقد نفع القرءان بعض من حصل له ضرر في حال الحياة ، فالميت كذلك.

2- الدليل من قول صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم

 قَالَ النَّوَوِيُّ ما نصه: "ورُوِّينَا فيِ سُنَنِ البَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقْرَأَ عَلىَ القَبِر بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلُ سُورَةِ البَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا" [الأَذْكَار (ص 173)].

3- الدليل من كلام العلماء من المذاهب الأربعة

 المالكية :

 قال القرطبي ما نصه: "باب ما جاء في قراءة القرءان عند القبر حالة الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَأَنَّهُ يَصِلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابَ مَا يَقْرَأُ وَيُدْعَى وَيُسْتَغْفَرُ لَهُ وَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ" [التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة].

 وقَالَ الشَّيخُ أَحْمَدُ الدرْدِيرُ وهو من فقهاء المالكية فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ المُسَمَّى الشَّرْحُ الكَبِيرُ ما نصه : "المُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأسَ بِقِرَاءَةِ القُرْءاَنِ والذِّكْرِ وَجَعْلِ ثَواَبِهِ لِلْمَيِّتِ وَيَحْصُلُ لَهُ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله ، وَهُوَ مَذْهَبُ الصَّالِحِين" [الشرح الكبير ( 1/ 423 )].

الحنابلة :

 قال محمد بن أحمد المَرْوَرُّوذِيُّ أحد تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل ما نصه : سـمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول : "إذا دَخَلْتُمْ المقَابِر فَاقْرَءُوا ءَايَةَ الْكُرْسِيّ وَقُلْ هُوَ الله أَحَد ثَلاَثَ مَرَّات ، ثم قولوا : اللَّهُمّ اجْعَلْ فَضْلَهُ لأَهْلِ المقَابِرِ" [كتاب المقصد الأرشد ( 2 / 339-338 )].

الحنفية :

 قال الزَّيلَعِي ما نصّه : "باب الحج عن الغير: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاةً كان أو صوماً أو حجاً أو صدقة أو تلاوة قرءان أو الأذكار أو غير ذلك من جميع أنواع البِرِّ ، ويَصِلُ ذلك إلى الميِّتِ وَيَنْفَعُهُ" [تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق ( 2 / 83 )] .

الشافعية :

ذكر الإمام النووي في كتابه الأذكار ما نصه : "قال الشافعيُّ والأصحاب: يستحب أن يقرءوا عنده شيئاً من القرءان ، قالوا فإن ختموا القرءان كله كان حسنا" [الأَذْكَار : باب ما يقول بعد الدفن (ص 173)]. وقال النووي في شرح المهذب ما نصه : "يُسْتَحَبُّ لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرءان ويدعو لهم عقبها نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب" [ذكره الزبيدي في شرح الإحياء (ص 10/369-371 )].

 وأما ما زعم بعض المفترين من أن الشافعي يُحرّم قراءة القرءان على الأموات ، فهو كذب على الإمام ، وإنما كان الخلاف هل يصل الثواب أم لا يصل ولم يكن الخلاف هل تجوز القراءة أم لا تجوز . والذين قالوا لا يصل الثواب إنما قالوه فيمن يقرأ ولم يَدعُ الله أن يوصِلَهُ. فالشافعي وغيره من سائر علماء المسلمين يقولون بوصول ثواب القراءة إذا دعا القارئ أن يصل. إخوة الإيمان ، إذا قرأ المسلم في غير مكان القبر وأراد أن يفيد مسلماً بإذن الله يدعو يقول: "اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ لِفُلاَن" ونحو ذلك فيصل بإذن الله . فلقد اتفق أهل السنّة على أن الأموات المسلمين ينتفعون بدعاء المسلمين واستغفارهم لهم ، فيدخل في ذلك دعاء الرجل بعد قراءة شىء من القرءان لإيصال الثواب للميت بنحو قول : اللَّهمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُهُ إِلَى فُلاَن. وقد قال الإمامُ الطحاويُّ رحمه الله : "وفي دُعَاءِ الأَحْيَاءِ وصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَاتِ ، والله تَعَالَى يَسْتَجِيبُ الدَعَوَاتِ ويَقْضِي الحَاجَاتِ" . أمّا لو قُرئ القرءان على الميت عند القبر فهذا ينفع ولو لم يتبعه بالدعاء لأن القرءان إذا قرئ تنـزل الرحمة فيستفيد هذا الميت .

 إخوة الإيمان ، قال بعض أهل البدع إن الميت لا ينتفع بقراءة القرءان وقولهم مردود بالقرءان والسنّة . أمّا قوله تعالى { وَأَن لَّيْسَ للإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى } لَمْ يَنْفِ انْتِفَاعَ الرَّجُلِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وإِنَّمَا نَفَى مِلْكَ غَيْر سَعْيِهِ ، وأمّا سعيُ غيرهِ فهو مِلكٌ لِسَاعِيهِ ، فإن شاء يَبْذُلُهُ لغيِره وإن شاء يُبقِيهِ لنَفْسِهِ ، وهو سبحانه وتعالى لم يقل إنه لا ينتفع إلاّ بما سعى وعموم الآية مخصوص بما ورد النص باستثنائه من صَدقة ودعاء ونَحْوِ ذلك كصلاة الجِنَازَةِ فالميتُ ينتفع بذلك وهي ليست من سعيه .

وأما حديث: (( إِذَا مَاتَ الإِنساَنُ انْقَطَعَ عَنهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثة: إلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ )) [ رواه مسلم ] فهذا الحديث ليس فيه تحريم قراءة القرءان على الميت وهذا الحديث لا يعني أن الميت لا ينتفع بقراءة القرءان كما يدعي بعض الناس ، إنما معنى الحديث نفي استمرار العمل التكليفي الذي يتجدد به للميت ثواب ، أما أن ينتفع الميت بعمل غيره فليس ممنوعاً بدليل أن الميت ينتفع بدعاء غيره والصدقة عنه ولو من غير ولده ، فكذلك ينتفع الميت بدعاء قارئ القرءان إذا قال: اللّهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان ، بإذن الله تعالى .

 فبعد كل هذا البيان ، أليس الأولى لنا أن نُحسِن لموتانا وأن نقرأ لهم القرءان وندعو الله بوصول الثواب إلى أرواحهم ، بدل أن ينشغل البعض بمنع ذلك كأنه منكر من المنكرات؟ ‍‍‍‍‍!

 اللهم إنا نسألك الهدى ونعوذ بك من أسباب الردى إنك على كل شىء قدير . والله من وراء القصد ، وهو الموفق إلى سبيل الرشاد .

للطباع



قال الله تعالى : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وقال رسول الله  : (( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ )) .


www.islam-religion.info

Share on facebook